دمنات : عيساوة الماضي ، الحاضر و المستقبل .

انت الآن تتصفح قسم : مقالات رأي

دمنات : عيساوة الماضي ، الحاضر و المستقبل .

البوعيشي مولاي نصر الله

 

لعل من  الأنماط الموسيقية التي اشتهرت بها دمنات على غرار المدن العتيقة المغربية  ،  موسيقى " عيساوة" . وهي موسيقى ترتبط  بالطريقة العيساوية التي   نشأت  على يد الشيخ مَحمد بنعيسى المدعو ب : ( الشيخ الكامل) والملقب بالهادي بنعيسى . وكانت  الطريقة العيساوية تعتمد  على الطهر والصفاء في سبيل التقرب إلى الله ورسوله، ويظهر ذلك الصفاء في اعتماد مريدي تلك الطريقة خلال حلقات الذكر على ترتيل القرآن والأوراد ومدح الرسول عليه الصلاة والسلام، إضافة إلى الابتعاد عن الشوائب العقائدية، وكذلك اعتماد نظام توجيهي من أبرز سماته احترام الآخر وتقدير الأشخاص الأكبر سناً وطاعة المعلمين.

 

ولا زالت الزاوية العيساوية بدمنات قائمة الذات  بحي القصبة منذ قرون  ،  تشكل مرتعا لمريدي الطريقة  وتلعب دورا مهما في الحفاظ على هذا الإرث الثقافي ذي الجذور  الصوفية التي  تقتصر على الاذكار والاوراد مصحوبة بايقاعات موسيقية تستعمل فيها الغيطة والدف والطبل وتنظم سنويا موسمها تستدعي له فرقا من مختلف المدن المغربية .

 

اليوم لم تعد الطقوس العيساوية تقتصر على مقر الزاوية التابعة لها بل أصبحت تتعداها ، فهي تـشارك في مختلف  المواسيم الدينية و التظاهرات الثقافية و المهرجانات المحلية و الوطنية .ولم تعد تتخللها تلك الممارسات الشعبية المتجذرة التي يختلط فيها الإيمان مع الطموح إلى إظهار صفات الشجاعة وقهر الطبيعة، والطموح إلى التعامل مع أرواح العالم غير المرئي كأكل  شوك الصبار والدجاج الحي  والبحث عن الافاعي  في الجحور و شرب الماء المغلي  وبصفة عامة إيذاء الذات ... ورغم ان هذه الممارسات لا تعتبر شيئا أصيلا في عالم الروح والتصوف بل و يدخلها  البعض في باب  “العوائد البدعية”، و”الممارسات الشركية”فإنها  مع ذلك أكسبت شهرة شعبية واسعة للطائفة العيساوية ولبعض موريديها  ، من أمثال با موحمد، الحاج البوهالي - بن اهنية – احمازو كان مقدما للطائفة- الطاهر المعروف بجحا كان هو الاخر مقدما للطائفة – بن الحاج – عزي  حانة – عزي عمر بن المدني السكوري واخيه عزي محمد – العربي مزكور – بن بوتل المعروف بالفقيه تبارك- حفو- بن عياد المقدم الحالي للطائفة ومولاي ابراهيم بن مولاي لحسن العطار /بوتيت- والجيلالي المعروف ب : با  جلول - أوجعا المشهور بانفراده باوداج ذبيحة  الموسم التي ينهشها نيئة   ,آخرون لا يتسع المجال لذكرهم جميعا  رحم الله الاموات منهم وبارك في الأحياء  ، ومع مرور الوقت وبعد وفاة جل الموريدين ، اندثرت هذه الممارسات كما اندثرت كثير من العادات والتقاليد  الناتجة عن الجهل وانتشار الخرافة كزيارة القبور والتبرك بالاولياء و...و...و...   ويمكن القول ان الطائفتين  العيساوية و الحمدوشية بدمنات  لم تعد لهما اية علاقة لا من قريب ولا من بعيد بالزهد والتصوف  و لم تعد ترتبط  بالمواسيم الدينية فقط ولم يعد الموريدون الجدد يؤدون الصلوات ويحفظون الاوراد والاذكار  ويتماهون اثناء الجذبة  مع ايقاعات الدفوف  والغيطة  إلى مرحلة من التعالي يخرجون فيها عن الإطار العادي ويقطعون  الصلة نهائيا بالعالم الملموس.،  بل اصبحت هاتان الطريقتان اليوم مجرد جنس من الاجناس الموسيقية  التي تستهوي الشباب الذي وجد فيها ذاته بعيدا عن موسيقى " الهارد ميتال" و"الهارد روك" و"الراب" وغيرها من الوان الموسيقى المستوردة . ومما جعل– في اعتقادي-   موسيقى عيساوة واحمادشة  وهي موسيقى مغربية اصيلة والوان اخرى ك "كناوة  وهي موسيقى  افريقية المنشأ " تسجل حضورها في المهرجانات الثقافية والمحلية والوطنية ونظرا كذلك لاعطائها الأولوية للإيقاع خلافاً للطرق الصوفية الأخرى التي تعتمد على الذكر والأمداح فقط ،  وبعد ان كانت موسيقاهما روحية مصحوبة باشعار  تهذب وتربي وتدعو للتفكر في الملكوت الاعلى وأمداح تمجد الرسول الاعظم صلى عليه وسلم ،  اصبحت تخاطب اجساد شباب  كل همهم الانخراط  في الرقص تحت ايقاع موسيقاها وجلهم تحت  تأثير المشروبات الكحولية ( يطلق عليها البعض المشروبات الروحية؟) والقرقوبي والحشيش والمعجون وغيرها من المؤثرات  العقلية .

 


    جميل ان نحتفظ  بهذا التراث اللامادي منذ اكثر من خمسة قرون ، وجميل كذلك ان نرى الأجيال الجديدة تفضل الاستمتاع بهذا الصنف من الموسيقى ذات الإيقاعات الموغلة في القدم فمن لا تاريخ له لا حاضر له.وجميل كذلك ان نرى اندثارا نسبيا لبعض الظواهر التي تسيء لهذا التراث ، ونتمنى ان يوضع  حد  نهائي  لمارسات إيذاء الذات  كما نرجو أن ينصب اهتمام الجمعيات  البذيلة " للمقدمية " على إحياء الدور التربوي والاجتماعي والثقافي لهاتين الطائفتين من خلال تنظيم دورات للتعريف بها وباهدافها وتنظيم تدرايب للشباب على عزف آلاتها وترديد اشعارها وتكوين فرق بلباس موحد ورقصات منسقة تشرف هذا التراث بذل ما نراه من (كل واحد يلغي بلغاه) وما نسمعه من ايقاعات نشاز تؤذي الآذان بدل عذب الألحان التي تميز ايقاعاتهما  . كما نتطلع كدمناتيين الى "  موسم" محكم التنظيم  يشرف الطائفتين  ويليق بماضي دمنات المجيد .

 

وهذه امنيات لن تتحقق  إلا  بتخصيص وزارتي  الثقافة والسياحة والمجالس المنتخبة لدعم مادي محترم لهاتين الطائفتين ولجميع الفرق التي تشتغل في مجال احياء التراث اللامادي ، من أجل حمايته من الانقراض. 

 

        *-    ولد الهادي بنعيسى أو الشيخ الكامل عام  1467 بمنطقة سوس، وحظي في صغره بتربية جيدة وعناية فائقة من أخواله ووالده الذي رافقه إلى مدينة فاس (العاصمة العلمية للمغرب) من أجل تجهيزه للدراسة بجامع القرويين، حفظ القرآن الكريم ثم انتقل إلى دراسة العلوم الشرعية والأدبية، وبرع في اللغة العربية والفقه والتفسير، إلى أن بلغ درجة معرفية شرعية مرموقة ومكانة عالية في الزهد والتصوف، وأصبح عالماً دينياً يدرس ويفتي، تجاوز إشعاعه الفكري وطريقته الصوفية حدود المغرب، إذ وصل إلى بلدان المغرب الكبير كافة ومصر.