أضيف في 13 ماي 2019 الساعة 00:46


المارق


بقلم حفصة حماني



       كان صغيرا فظنوا أنه لا يعي ما يقال و لا يدرك حقيقة أمرهم ،لكنه في كامل فطنته رغم صغر العمر و قلة التجربة. وهم الوجود، وهم الحب، وهم الأمان كلها أوهام أوهموه بها فصدقها. استعار سكينا ليمزقها، لقد ارتكب جريمة قتل . لقد كفنها بغضبه  و ربطها بحبال كرهه ثم رماها في عمق النسيان.

         مارد فوق القانون يجوب الأرجاء دون رقيب، "على كل من لمح أثره أن يبلغ الشرطة تفاديا لأي جرائم أخرى تؤذي سلام المواطنين"، تصدَّر هذا العنوان الصحف و المواقع الالكترونية المأجورة و تلك الأفواه المنافقة التي لا تتقن سوى نشر الفضائح و التشهير بالضمائر الحية. ملئوا الدنيا بالشائعات عنه و ألصقوا صوره على كل الجدران الشاهدة على حياتنا المريعة. لكنهم نسوا حقا أنه شامخ بعناده و قوي بشغف تشبته بالحياة و مرعب بهدوئه، كَظَمَ انفعالاته و تسلح بالرَّوِية و ضبطِ إيقاع غضبه. هو ليس كالجميع ترفَّع عن حاجيات الحياة فَرَضِيَ بالكفاف متغلبا عن شظف العيش، تسلق الشجر الوارف فقطف من ثمار الصبر و التحدي. هو لا ترعبه الأزقة المظلمة، ماضٍ فيها علَّهُ يجد قبس نور يكمل به المسير.  

صمته المتكرر لا يعني فراغ حلقه من الكلمات و إنما ضمأه للحرية. كان يخال نفسه الوحيد المتشظي بقلق السؤال، لكن مثله الكثير :الشابة التي أرهقها تفكير القطيع الذي لخَّصها في خطيئة الجسد، و الطفل الصغير الذي سرقت منه طفولته. و العجوز الذي أُقْبِرت كل أحلامه فوجد نفسه في أرذل العمر  تحاصره خيباته. يقول المغني الفرنسي سيرج غانسبور :"إن البشاعة أقوى من الجمال لأنها أبقى."يا للتعاسة التي تغمرني كلما تذكرت مقولته ،ففيض بشاعة فكرنا أصبح ضربا من الجمال أو رمزه.لا أريد لبشاعتنا أن تدوم كما الجمال عندما يزول.                

    أكان لا وعيه يتحكم في تحركاته؟ أكان يملي عليه الأوامر و هو الخادم المطيع؟ ضائع في غيابة الأسئلة، تقوده سجيته و حنينه للنبع، فلتسقط كل الأحكام المسبقة التي امتلأ بها الكون. دقات الساعة كدقات قلبه الجاف عاطفيا. يقول جلال الدين الرومي "من دون الحب كل

1

الموسيقى ضجيج ...كل الرقص جنون...كل العبادات عبء." نفتقد الحب و معنى الحب و شكل الحب إن كنت تفهم في فقه الحب .و أرقه يعاتبه لأنه يريد الحب،و هو لا أملك سوى العمل القليل و الأمل الضئيل.

تأمل للحظة ذاك الشفق الأزرق.

"إنه الكون مندثر بين طيات الغيوم .إنه سهر الحب المتعب قبل تفتح الزنبقة.إنه، أنا و هي، عندما اتخذنا القرار.

إنه إدمان الحب في اكتساح دوامة عاشق التوليب.

سمفونية الكون هي قيثارة العشاق . لكل عازف تاريخ و مؤرخ أساطير ،ألك علم بحال الفراق ؟ إنه جهنم الحب  و شيطان سجون موصدة بالكبرياء. لك يا أميرتي الزائلة من قاموس الذكريات ."

المغتربة كذلك.

                                               """"""""                                              

وودت لو أصنع حبا لك وحدك

و أحاسيس لك وحدك

و أن أخصك بقاموس عربي جميل

ينسيك هم الفقير

وطمع البخيل

و صفات مجتمع نكر الوجود

وسياسة خلفت الوعود

تمنيت أن تكون لنا مدينة

نستغني فيها عن كل البشر

و لما لا عالما تستحيل فيه إشارات القدر

لنا فيه الشمس و القمر

وخيلا عتيقا جسورا للسفر

نمتطيه عندما تهيج عيناك خزان العبر

2

 

لك العاج و الذهب و الماس

و الفضة عندما أصبح صعلوك النهاد

فقط اعذري القلب الجريح

ابتسمي هناك و عيشي في الرغد

أما أنا فيكفيني بليل الرياح

ضالة هي الأيام

تقودنا إلى المسافد دون إدراك

""""""

ويحى يا معذبة العصور

لك القصور

لك كتبت كل هذه الفصول

لقد جف قلبي

و لم تعد تبلله سوى قطرات الندى

"""""""""

        عزاؤه في انكماشه على نفسه، فشمس الصيف تحرق بشرته البيضاء لكثرة تخفيه . جبهته ملتقى الشموس و جفنه عائق لفهم الدهر.انعزل ليستسلم لِسواقي بكائه . غاص في الحيرة دون حمل طوق النجاة. وضع في مصنع ظلمتهم قنبلة ، فجرت كبريائهم و تعاليهم.

      هب نسيم خفيف داعب خذاه، كان أحن و أعطف من أياديهم، حين تجتثنا نرتمي في حضن الطبيعة، لامس جبينه كجنية الأماني و قال له:"دوِّن ما تشعر به إذن"،تفقد قلبه ثم بحث في جيوب معطفه، لكنه لم يجد لا الورق و لا القلم، حزن فنحن في زمن يكون فيه الشاعر فقيرا و الجاهل وزيرا .قال له النسيم: اجعل كلماتك إذن في تلك  الصخرة فالنقوش تهزم الفناء، فتأتأت أقول: "

3

 

 

تعبت من الكلام السياسي

تعبت من توجيهات مجتمع تخلفي

تعبت من نظراتكم لي كأني حادث عرضي

و عندما أتعب لا ألوم تشاؤم المعري

مللت سماع نفس أقوال السياسيين في البرلمان الخرافي

تفاهة تعرِّي وَحَلَ الفكر المجتمعي

و إن يكن،سأكسر هذا العلي

    قيدوني بالحبال الغليظة و الأغلال الثقيلة و لكن لن يقيدوا أنايَ الداخلية. لست مجرما، و لا إرهابيا، لم أقتل أحدا، قتلت أوهامي فقط و استسلمت لغربتي.

لقد كنت ضالا طريقي وسط هذا الزحام.لا يمكن أن ننسى الأحداث المؤلمة مهما مر من الزمن .شوكة ألم تبقى راسخة، يخلق من يحركها معظم الأوقات.سأموت كل ليلة لكربي القاسي.أخبرتني غيمة الموت أني سأغادر مختنقا بأيديهم. وسط التابوت إلى المقبرة .قد أسأل عن ذنبي .لن أجيب.اسألوا المقبرة."

بقلم حفصة حماني       

جذع مشترك علوم خيار فرنسي

ثانوية سد بين الويدان / أفورار

 

 

 

 

 





أضف تعليقك على المقال
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




أقرأ أيضا
مهزلة الطب بإقليم أزيلال: مندوب الصحة يأمر طبيبة ولادة بالاعتكاف لمدة شهر
متاهات المكلفين بالأنشطة التربوية بأكاديمية بني ملال خنيفرة تحت المجهر
إصدار جديد للشاعر والكاتب المغربي لحسن الوزاني بعنوان ’حياة بين الرفوف’
’هزة’ التعاقد إلى أين؟
إلى كل أستاذ حر ينشد الكرامة ... إرفع رأسك إني أراه يقطر دما وكبرياء
وزير الصحة ينقل تجربة المغرب إلى رواندا في مجال الصحة ..تبادل الخبرات بين الزيف والحقيقة
التعاقد، منطق مقاولتي بئيس
المرأة الدمناتية في يومها العالمي المرأة الدمناتية كائن انتخابي بامتياز
غزوة تكسير رؤوس الاساتذة..
ممرّض في حَيْصَ بَيْص(5) بَيْنَ الأمن الممنوع ومطرقة عيار 73