أضيف في 31 يناير 2019 الساعة 21:47


ممرّض في حَيْصَ بَيْص(4)؛ النّظافة مقابل الدّواء.


عبد العزيز غياتي



"بإمكانك الطّلب من أحد السّكّان القيّام بتنظيف المركز الصّحّي مقابل قليل من الأسبرين"، هكذا قالها دون أن يرفّ له جفن، مسؤول في المصلحة الإقليميّة للقطاع والذي اشتغل ممرّضا لسنوات قبل أن يتقلّد المسؤوليّة، وقد قال رئيسه قُبيل ذلك إنّ المؤسّسة الصّحيّة وبيتك في نفس المنزلة ويجب أن تهتمّ بنظافتها كما تهتّم بنظافة بيتك، أمّا المسؤول الثّالث فلم ينبس ببنت شفة في موضوع النّظافة التي كانت عنوان نقاش أثير خلال الزّيارة التّفقديّة للفرسان الثّلاثة بمناسبة حملة عامّة للتّلقيح ضد شلل الأطفال بداية هذا القرن.

     من بين أهداف سينما الخيال العلمي إمتاع المتفرّج بسناريوهات واختراعات لا يقبلها المنطق والعقل البشري ولا يُتصوّر وقوعها في الزّمن الرّاهن، ومن باب الخيال العلمي يمكننا الحديث عن عصر الزّجاج أو كوكب الزّجاج وهو زمن يعيش فيه الإنسان بصفر غَبَرَة وصفر مكنسة، ولأنّ الخيال العلمي يحترم حاجز الدّراما ولا يستطيع، بل يستحيي أن يتجاوزه إلى الواقع، فإنّ كلّ بناية خاصّة أو مفتوحة للعموم ستدخلها الغَبَرَة مادامت مفتوحة يدخلها الهواء ويلجها من سيستعملها في الإطار الخاص أو المصلحة العموميّة، وكما يقوم صاحب البيت بتعهّد بيته بالنّظافة والصّيّانة باستمرار، فإنّ البنايات العموميّة كذلك يُفترض أنّ هناك من سيقوم بتعهّدها بالتّنظيف المستمر مادامت بها حياة وحركة، وذلك لأنّ الذي فتحها للعموم يعلم أنّه فتحها في كوكب التّراب وليس في كوكب الزّجاج أو في عصر الزّجاج، بل قد يكون فتحها في العالم القروي عالم التّراب والطّين بامتياز.

    فلندع ما هو مُفترض والذي يعلو دوما على ما هو واقع، حيث كلّما ازدادت الهوّة بينهما تردّت البلاد في سلّم الرقيّ، لندع منطق الأشياء ولنتأمّل تلك المراكز الصحيّة والمستوصفات القرويّة التي أُسقط في أيدي المسؤولين عنها مهمّة تنظيفها، ولننظر مدى الحيص بيص والحرج الذي وقعوا فيه والمعاناة  اليوميّة التي يقاسونها، والحلول التي طرحها الفرسان الثّلاثة، حين ترجّلوا من سيّارة الدّفع الرّباعي، بعد أن تركوا مكاتبهم في المدينة تفوح عطرا وتلمع نظافة بفضل سيّدات يشتغلن في إطار التّدبير المفوض لمثل هذه الخدمات، لزيّارة مركز صحّي غير مربوط بأيَ شبكة للماء أو الكهرباء، ويرتفع بألف ومائتي متر عن سطح البحر، ويبعد اثنتي عشر ساعة عن عاصمة الإقليم، بمنطقة مصنّفة ضمن المناطق النّائيّة، لا يفكّ عزلتها عن محيطها غير مقاتلة يتكدّس داخلها الرّكّاب مرّة في الصّباح ومرّة في المساء.

     فأمّا صاحب نظريّة التّنظيف مقابل الأسبرين فقد عبّر بوضوح وصراحة قبل سبع عشرة سنة عن تقليد سائد حينئذ وقبل ذلك، وربّما لايزال كذلك اليوم، هو أمر مستهجن قد يستسيغه البعض تحت شعار "من لحيتو لقّم ليه"، والمقصود به الإنفاق على المؤسّسة الصّحيّة العموميّة من المال العام الذي يوجد في المتناول عبارة عن أدوية، وهي في الحقيقة رشوة بدون قناع  يقدّمها مواطن في شكل خدمة يُفترض أن تكون غير مجّانيّة، مقابل خدمة يقدّمها الممرّض يُفترض أنها مجَانيّة، و قد يُستشفّ من ثنايا نظريّته أن ليس على الممرّض أن يساهم في سبيل نظافة المؤسّسة بماله، ولا بنفسه بتناول المكنسة ومباشرة عمليّة التّنظيف.

    وأمّا رئيسهم فقد طرح مقاربة غير صحيّة مزج فيها بين الملك العمومي الذي هو المركز الصحّي والمجال الخصوصي الذي هو السّكن الوظيفي الذي تُكريه الدّولة بمقابل نقدي، بل قد يكون دعا إلى مدّ الجسور و تحطيم جدار الفصل المنطقي بينهما، وقد يُخمّن مخمّن أنّ المزج الذي يقصده صاحبنا يتعدّى موضوع النّظافة إلى أسلوب التّسيير عموما  والتّماهي مع الطّقس السّائد والتّطبيع معه، وتعليق تمثّل المثل الشّعبي القائل:(صفّي تشرب) إلى أجل غير مسمّى.

      أمّا ثالثهما فقد قال بِصمْته كلّ شيء سواء بقصد أو بغير قصد، قال: لقد اتّسع الرقع على الرّاقع، بمعني؛ (أينما ضربت الأقرع يسيل دمه)، أنت سيّد نفسك وأنت مسؤول عن أفعالك، أنت حرّ في اختيار الحلّ المناسب لمثل هذه المشاكل، لا تعوّل علينا في ذلك، وفي المقابل لن نسألك كيف حللتها ولكن سنحاسبك إن لم تستطع حلّها أو زلّت قدمك بصوت مرتفع تناهى صداه إلى مسامعنا خلال محاولة حلّها.

      قد يعرض عليك أحدهم خدمة التّنظيف بمقابل مادّي أو من باب التطوّع وتغضّ الإدارة الطّرف عن ذلك، ولكن من سيضمن أن لا تجد صورته في المنابر الصّفراء والحمراء والمطليّة بكلّ ألوان الطّيف تحت عنوان "الشّطط في استعمال السّلطة أو "ممرّض يستغلّ مواطنا في أعمال السّخرة"؟ ومن يضمن أن لا يفاجئك غدا بمطالبته حقوق التّرسيم في الوظيفة؟ و من سيضمن حقوقه إن أصابه مكروه داخل المركز؟ وكيف ستبرّر وجوده وحيثيات الحادث حينئذ؟  هي إذن مقامرة بالغالي النّفيس من أجل مشكلة لا ناقتك فيها ولا جملك، قد تجتازها بنجاح دون أن يهتمّ لأمرك أحد، وقد لا تسلم الجرّة مثل كلّ مرّة فتسقط لتجد من ينتظرك ليوفّيك حسابك.

عبد العزيز غياتي





أضف تعليقك على المقال
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




أقرأ أيضا
’إكرام الميت دفنه وليس انتخابه’
قصيدة لروح الطالب خالد ابن تيلوكيت
الكتاب المدرسي؛ آلية لتصريف المنهاج الدراسي.
وكان في المدينة كل شيء إلا المكتبة....
’ إصلاح الشباب المغربي رهان استراتيجي لتحقيق التنمية...''
جدل التعويضات عن الأعمال الشاقة والملوثة يعود إلى الواجهة بقطاع الجماعات الترابية
’العمل الجمعوي ببني ملال نفس جديد، لشباب طموح..’
الممرّض بين النّفخ في الكير والمطرقة وسندان الغَيْر‎
شباك ’الفيسبوك’ !
مصداقيّة النّضال في ميزان الغشّ في الامتحان