أضيف في 25 دجنبر 2018 الساعة 21:27


رحمة الدين وقسوة الإرهاب في قضية ’القتل البشع للسائحتين الإسكندنافيتين بإمليل’


عبد الرحيم الكتاني

   بقلم ذ عبد الرحيم الكتاني

بمجرد أن يتناهى إلى سمعك ؛" تم العثور على سائحتين شابتين من جنسية نرويجية ودانماركية مذبوحتين من طرف إرهابيين بضواحي مراكش"؛ إلا وتتخيل بشاعة وقساوة المشهد. ثم يخطر على بالك أن من قام بهذا الفعل الشنيع الأليم لن يغدوا سوى لصوص مجرمون سفاحون غير متدينين. لكنك تتفاجأ؛  رغم أن الفكر الإرهابي لم يعد مفاجئا؛ أن أصحاب الفعلة يحسبون على المتدينين. فيستفز هذا وذاك عقلك وفكرك بمجوعة من الأسئلة المحيرة؛ هل الدين" الإسلام" يدعو إلى الكراهية وينتج القسوة؟ أم أنه كما وصف بأنه دين الرأفة والرحمة للعالمين؟ وإذا كان كذلك فمن أين استمد هؤلاء المجرمون القتلة شرعية فعلتهم الشنيعة؟

      بالرجوع إلى التاريخ الإنساني ، وما شهده ويشهده من حروب ومجازر بين مختلف الشعوب الإنسانية ، تجد أن  كل الحروب والغزوات استمدت شرعيتها وقوتها من الفكر الديني، ونبذت الرحمة التي جاءت بها الأديان السماوية وجعلت منطقها هو القسوة تجاه الآخر، فنهجت ذلك المنطق للإقناع والتجييش والترهيب والتقتيل بلا شفقة ولا رحمة.

     والناظر إلى عصرنا الحاضر يدرك الصورة النمطية المأخوذة عن الإسلام  كذلك، حيث تلفي تلك الصورة عند الكثير من الغربيين؛ فبمجرد أن تنطق بالإسلام أو الفكر الديني الإسلامي إلا ويذهب تفكيرهم  نحو الإرهاب.

    والمستقرئ لأسباب هذه القضية يجد أن البعض ممن يحسبون أنفسهم ينتمون إلى هذا الدين وأنهم أوصياء عليه من أصحاب العقول السخيفة، يفسرون بعض الآيات تفسيرا خاطئا،  والتي تجدها نزلت في نوازل ومواضيع محددة " كما هو الحال بالنسبة للآيات التي وردت في  فيديو بيعة الإرهابيين الذين قتلوا السائحتين الإسكندنافيتين بضواحي مراكش لداعش "، حيث أولاهما متعلقة بتخلف بعض المؤمنين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، ومن المعلوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما خرج في تلك الغزوة لأن الروم كانوا قادمين لغزو المدينة ظلما وعدوانا. فلم يُؤْثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أبدا أنه قاتل الأبرياء والمسالمين، ومن لم يبادر بالغزو والحرب.

   و هكذا نرى كيف يتم لي أعناق الآيات القرآنية لتتماشى مع الإيديولوجية الفكرية للمتطرفين والإرهابيين، خصوصا من طرف بعض الفقهاء والخطباء الأغبياء الذين ينفخون على جمر التكفير و الإرهاب ليستعر أكثر فأكثر، ورواد هذا الفكر الخبيث كثر على الساحة، وظيفتهم إنتاج  فتاوى تشجع على الكراهية والتحريض والقتل وقطع الرؤوس، مستغلين ومع كامل الأسف امتلاء التراث الإسلامي بكثير من الفتاوى التاريخية والأحاديث المكذوبة الداعية إلى إلغاء الآخر وكراهيته وقتله.

   ومنه  فإن الإنسان وعلى الرغم مما قد يملكه من تربية  قيمية وأخلاقية يمنحها له دينه أو المجتمع ، ومهما قد يبدي هذا الإنسان من تفهم بين وواضح  للمبادئ القيمية والأخلاقية الحاكمة لدينه وثقافته، وعلى الرغم من أنه قد يتصرف بحنان وطيبوبة ورحمة مع أهله ومن حوله، بالرغم من ذلك فإنه قد ينهج منطق القسوة من خلال كراهية الغير أو ترهيبه أو قتله.. ما لم يطبق ذلك الوازع القيمي والأخلاقي،  ويفهم من منبعه المعين والأصيل؛ " من الرؤية القرآنية على كليتها وشموليتها ووحدتها وعالميتها ".

   إن إلغاء مبدأ وقيمة الرحمة الدينية التي جاءت بها الأديان السماوية واستبداله بمنطق القسوة والترهيب والكراهية وإلغاء الآخر، ينطلق من مبدأ يؤهل أصحابه إلى سلك مسلك العدوانية والتفكير في أفعال إجرامية قاسية، هذا المبدأ الذي ظهر عند المتدينين عبر التاريخ العالمي؛ هو مبدا إقصاء وإلغاء الآخر المخالف، فيتقبله كفكرة دينية؛وإن كانت الأديان السماوية  في حقيقة  الأمر من هذا المنطق الخبيث براء؛  ثم يرسخه ويوطده بالتنشيط  الذهني المتكرر له، لينزله منزلة الركن العقدي ، ثم يودي به بلا شك إلى تطبيقه عمليا في شكل عمليات إجرامية تصل إلى حد القتل بشكل سريع،  وبشدة مفرطة وقاسية، كما يكون قد حصل للإرهابيين الذين قتلوا السائحتين الإسكندنافيتين البريئتين، حيث فكرة إلغاء وكراهية الآخر المرسخة سهلت العدوان والقتل القاسي بسرعة.

    في حين أن الناظر والمستقرئ لنصوص القرآن الكريم والسنة الشريفة يدرك أن الإسلام دين الرحمة لا دين الكراهية والقسوة، فالرحمة رقة تستلزم الإحسان إلى المرحوم " أي الآخر" ، ويكفيها شرفا وقدرا أنها صفة من صفات الله عز وجل، يتضمنها اسمه سبحانه: الرحمان، واسمه: الرحيم. فهو رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما.

  إنها رقة في القلب وإرهاف في الشعور، وحساسية في الضمير، تقتضي الحنان والرأفة بالآخرين " الأقرباء والمخالفين "، والعطف عليهم، وكفكفة أحزانهم وآلامهم، ومساعدتهم إذا اقتضى الحال ذلك... حيث هى التي تجعل الإنسان المؤمن يتجنب الإيذاء وينبو عن الجريمة والتقتيل والتعذيب، ويصبح المصدر الخيٍر الداعي إلى البر والإحسان بجميع الناس وتوفير الحرية و الأمن والسلام لهم.

إنها" التعبير الخلقي العملي عن تعاطف الإنسان مع أخيه الإنسان حين يواجه المرض أو الألم أو حين يقع في المآزق والملمات دون أن يجد الحيلة للفكاك منها. والإنسان الرحيم يبادر إلى هذا أو ذاك تحدوه الرغبة في كشف العذاب عنه أو تخفيفه عن كاهله"[1].

   والإسلام أمر بالتراحم العام للعالمين، وجعله من دلائل الإيمان الكامل، فالمسلم هو من يلقى الناس قاطبة، وفي قلبه لهم عطف مدخور وبر وإحسان مكنون، فهو يوسع لهم ويخفف عنهم جهد ما يستطيع. لا يقس عليهم....فقد قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم-: «لن تؤمنوا حتى تراحموا. قالوا يا رسول الله كلنا رحيم. قال: إنه ليس برحمة أحدكم صاحبه، ولكنها رحمة العامة»[2].





     فأين هؤلاء القساة الطغاة الظلمة القتلة من سنة النبي صلى الله عليه وسلم التي يدعون أنهم بها متمسكون وعنها ينافحون؟ أين هم من رحمة رسول الرحمة للعالمين؟

    فعن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنّه قال: قيل: يا رسول الله، ادع على المشركين. قال: "إني لم أبعث لعانا، وإنّما بعثت رحمة"[3]، إنه نبي الدين الذي ينأى عن الدعاء على العدو المُصِد، فكيف بقتله بقسوة وبشاعة؟ !! فكيف بمن ليس بينك وبينه عداوة؟ !! 

  فكيف بقتل شابتين بريئتين لا حول لهم ولا قوة ولا تهمة؟ إلا أن تهمتهم أنهم سمعوا ببلد يعمه  الأمن والسلام والمحبة...، بلد جذاب وساحر...، إلا أنهم سمعوا عن المملكة المغربية ذلك النموذج الحضاري الذي يجسد الأمن و السلام والاستقرار، والتسامح والاعتدال والجمال والتنوع الطبيعي والثقافي والديني... ومحطة الإلتقاء الحضاري بين الشرق والغرب والشمال والجنوب...

     إن الرحمة مبادرة إنسانية نبيلة أرسل الله من أجلها رسولا وأنزل لغاية تحقيقها كتابا عظيما، إنها البرهان على سلامة الحس الخُلقي وحدته، وعلى النضج الإنساني، إنها مسلك توطيد وترسيخ مشاعر الحب والإخاء الإنساني.

     يقول الشيخ الغزالى: "لقد أراد الله أن يمتن على العالم برجل يمسح آلامه، ويخفف أحزانه ويرثى لخطاياه، ويستميت في هدايته ويأخذ ويناصر الضعيف، ويقاتل دونه قتال الأم عن صغارها ويخضد شوكة القوى حتى يرده إنسانًا سليم الفطرة لا يضر ولا يطغى.. فأرسل محمدًا -عليه الصلاة والسلام- وسكن في قلبه من العلم والحلم، وفي خلقه من الإيناس والبر، وفي طبعه من السهولة والرفق، وفي يده من السخاوة والندى ما جعله أزكى عباد الله رحمة وأوسعهم عاطفة، وأرحبهم صدرًا"[4]،  فالإسلام دين رحمة. لا دين  كراهية وعنف وقسوة، دين الله الحنيف الذي يدعو إلى المحبة والسلام والتعايش والتسامح بين الناس على اختلافهم، دين ينبذ الشحناء والبغضاء والظلم والفساد.

      وهو الذي  ظل وسيظل ، ذلك الدين الشامل والكامل للإنسانية جمعاء وليس لطائفة دون أخرى أو لجنس دون آخر، يستوعب حياة الإنسان بكافة جوانبه، الروحية والجسدية والحضارية والفكرية، بهذا الوصف الدقيق والسليم عرفه المسلمون منذ ظهوره قبل 1400 سنة، ولم يعتبروه دينا لاهوتيا محصورا داخل الصوامع والجوامع، أو دينا دمويا قاتلا جاء ليذبح الناس ويفتك بهم بقسوة وبلا شفقة ولا رحمة، كما يحاول بعض أعدائه وممن ينتمون إليه ظلما وزورا تصويره وإظهاره.

   فهو دين الرحمة ، إذ الرحمة أصل أصول الإسلام وأسسه التي بني عليها، كما جاء في الآية القرآنية القائلة: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ {107}) (الأنبياء) ، التي تعتبر المحور الذي حوله تدور كل النصوص القرآنية والحديثية، إذ  الرحمة هي جوهر العلاقة التي تربط الإنسان بأخيه الإنسان مهما اختلفت الجنسيات والأعراق والأديان.

    ومنه فإن أي مذهب أو حركة أو فكر أو حزب سياسي أو تيار أو جماعة تجاهر بالإسلام وتدعيه، وهي مفتقدة لهذه القيمة والصفة العظيمة وتمارس الكراهية والإرهاب ضد أي إنسان كيفما كان، وتتفنن في إجرامها وتعذيبها وقتلها، فهي لا تمت إلى الإسلام بصلة ولا تنتمي إليه.

   فالإسلام دين الوسطية والاعتدال والنماء والخير والبركة. لا دين الشقاء والبؤس والقسوة والغلو والتطرف. إنه دين الحيوية والاجتهاد والتجديد والإصلاح والعطاء. لا دين الركود والرجعية والتخلف والخمول والجمود.

   وهكذا فإن المسلم يجب أن يتعاطى مع دينه الحنيف تعاطيا شاملا كاملا؛ فكل القضايا التي عالجها وطرحها متداخلة مترابطة مع بعضها البعض، كلها تهدف إلى خدمة قضية واحدة أساس، ومقصد واحد أسمى هو تنظيم علاقة الإنسان بأخيه الإنسان على أسس التعارف والتعايش و التراحم. وبالتالي فإن الحاجة ملحة اليوم إلى إصلاح الرؤية الخاطئة عن الإسلام لغاية التعاطي معه كرحمة مهداة من الله للعالمين، لا دينا عقيما يحث على الكراهية والإرهاب والتقتيل.

 

 



[1]  الفضائل الخلقية في الإسلام،أحمد عبد الرحمن إبراهيم، ص 175.

[2] رواه الطبراني.

[3] صحيح مسلم ، كتاب البر والصلة والآداب.

[4] خلق المسلم، الشيخ محمد الغزالي، ص 203.





أضف تعليقك على المقال
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




أقرأ أيضا
سعيد لمسلك يكتب عن معيقات التنمية المحلية بمدينة أزيلال
مهزلة الطب بإقليم أزيلال: مندوب الصحة يأمر طبيبة ولادة بالاعتكاف لمدة شهر
المارق
متاهات المكلفين بالأنشطة التربوية بأكاديمية بني ملال خنيفرة تحت المجهر
إصدار جديد للشاعر والكاتب المغربي لحسن الوزاني بعنوان ’حياة بين الرفوف’
’هزة’ التعاقد إلى أين؟
إلى كل أستاذ حر ينشد الكرامة ... إرفع رأسك إني أراه يقطر دما وكبرياء
وزير الصحة ينقل تجربة المغرب إلى رواندا في مجال الصحة ..تبادل الخبرات بين الزيف والحقيقة
التعاقد، منطق مقاولتي بئيس
المرأة الدمناتية في يومها العالمي المرأة الدمناتية كائن انتخابي بامتياز