أضيف في 21 نونبر 2018 الساعة 23:21


سمير أوربع وقراءة في قضايا كتاب ’الأدب في خطر’


بقلم ذ الباحث: سمير أوربع



بقلم ذ الباحث: سمير أوربع


الاختزال العبثي للأدب


    يشير تودوروف في معرض حديثه عن تدريس الأدب في التعليم المدرسي، إلى الآثار السلبي الذي خلفته المقاربة البنيوية للنصوص الأدبية، والتي كانت سببا في تحويل المادة الأدبية من حياة غنية إلى نصوص فارغة، وقد تبين لتودوروف هذا التحول من خلال تجاربه إذ عاش الوضع الذي آل إليه الأدب رفقة أبنائه والصعوبات التي يواجهونها في تعاملهم مع الأدب، كما أن الأحكام النقدية التي خلص إليها نابعة من التراكم الثقافي والفكري كعضو شارك ضمن مجلس البرامج في لجنة استشارية متعددة التخصصات، ويخلص إلى كون جوهر قضية الأدب يجب أن يتبلور في سؤال مفاده: القصدية والحاجة النهائية للأعمال الأدبية؟ لأن القارئ غير المتخصص من وجهة نظره لا يقرأ الأدب لذاته أي لغرض الوصول إلى منهج أفضل للقراءة أو لفهم المجتمع الذي أنتجت فيه هذه الأعمال، بل ليجد فيه معنى يتيح له فهما أفضل للإنسان والعالم، وليكتشف فيها جمالا يثري وجوده، وينفي تودوروف أن تكون معرفتنا للأدب غاية لذاتها، لأن هذه الغاية تفضي بنا إلى الطريق المسدود ويقترح أن نجعل من معرفتنا للأدب سبيلا لعشقه وتذوق جماليته.

 الحاجة لدراسة الأدب: ما وراء المدرسة


   يستهل تودوروف حديثه عن ما وراء المدرسة الأدبية بإشكال التحول الذي طرأ على التعليم المدرسي للأدب؟ ويربط هذا التحول بالتغيير الحاصل على صعيد التعليم الجامعي تحت راية البنيوية.

    عند قدومه إلى فرنسا في مطلع الستينات لاحظ تودوروف اهتمام طلاب الدراسات الأدبية الجامعية بتفسير النص والعناية بإطاره التاريخي والوطني، فبدلا من أن يتساءل الطلبة أصحاب الرسائل الجامعية عن معنى الأدبية، رأى تودوروف أنهم كانوا يقتصرون على جرد المكونات المحيطة بها، وهو الأمر الذي ولد لديه حاجة ملحة لتجاوز هذه المقاربة والبحث عن سبل جديدة مقاربات تعمل على تحديد المفاهيم الموظفة في تحليل الخطاب الأدبي، أو ما يطلق علية بالشعرية.

   لقد حرص تودوروف أن يظل الهدف النهائي هو فهم معنى الأعمال الأدبية عبر رسم خيط ناظم يؤسس لمقاربة داخلية ومقاربة خارجية للخطاب الأدبي، أي الانتقال من دراسة العلاقات القائمة بين العناصر الداخلية للعمل الأدبي، إلى دراسة سياقها التاريخي والإيديولوجي والجمالي، وقد شكل مقترحه خلاصة لما انتهى إليه من عشرية نظمها سنة 1969، بتعاون مع سيرج دوبروفسكي حول تدريس الأدب يقول في هذا الصدد: " عيب هذا النمط من العمل، هو تواضعه، وأنه لا يذهب بعيدا جدا، فلن يكون أبدا سوى دراسة أولية، لأنه يقوم بالضبط على ملاحظة المقولات المشتغلة في النص الأدبي والتعرف عليها، لا على أن يحدثنا عن معنى النص"

   إن التحول الحاصل في الدراسات الجامعية ناتج عن تأثير البنيوية والتصور الضمني الراهن عن الأدب، والتي امتدت أزيد من قرن (دراسة الأسباب التي أفضت إلى ظهور العمل الأدبي: سياسية/ الاجتماعية/ النفسية/ الإثنية)، يقول تودوروف: " لم يكن التقليد الجامعي يرى أولا في الأدب تجسيدا لفكر وحساسية، ولا تأويلا للعالم"، بالموازاة مع التعليم الثانوي يسجل الباحث عدم اهتمام تلاميذ الثانوي بالشعبة الأدبية، نتيجة إيمانهم بالعقيدة القائلة بأن الأدب لا صلة له بسائر العالم واكتفائهم بدراسة العلاقات الرابطة بين عناصر العمل الأدبي فيما بينها، والنتيجة أن هؤلاء الطلبة يجدون أنفسهم في نهاية المطاف أمام خيار غير متوقع، إما أن يصيروا بدورهم أساتذة للأدب، أو يسجلوا أسماءهم ضمن لائحة العاطلين.

     بعد تشخيصه العميقة للوضع الذي عاشه الأدب بين جدران الجامعات والثانويات الفرنسية دعا تودوروف إلى ضرورة العناية بتدريس المقاربات والمفاهيم والتقنيات المستخدمة، أي إعطاء الأولوية لتدريس الأدب كالدراسات الأدبية بالتعليم الجامعي، أما على مستوى التعليم الثانوي، فقد رأى تودوروف أن مهمة المدرس الثانوي مكلفة وعسيرة، لأنه مطالب بتحويل ما درسه واكتسبه من الجامعة إلى وضعية أداة خفية.

   لا تنحصر إشكالية اختزال الأدب في قاعات الدراسة والدروس الجامعية، بل تجد ظلالها كذلك بين الصحفيين الذين يقومون بعرض الكتب والكتاب أنفسهم، حيث تعلموا فقط أن الأدب يتحدث عن نفسه، وهو التصور السائد والشائع في أوروبا خلال القرن العشرين. فالعديد من الأعمال الأدبية تعنى عناية فائقة بالبناء والمبتكر والطرائق الآلية لتوليد النص، وفي مطلع القرن الواحد والعشرين سيظهر تيار آخر جسد رؤية للعالم، وهو تيار أطلق عليه تودوروف ووصفه بالعدمية، وهو تيار يرى أن البشر أشرار وأغبياء، يظهر التصور المختزل للأدب أيضا في بروز نزعة ثالثة وهي نزعة الأنانية، النزعة الفلسفية التي ترى الأنا الذاتي هو الكائن الوحيد الموجود، حيث يصبح فعل الكتابة وسيلة للحديث عن الذات بمعزل عن عالمها الخارجي، أما ما يقال عنها فهو ثانوي ولا يعتد به.

قضية علم الجمال الحديث

   يحدد تودوروف أهم المراحل والخلفيات التي كانت وراء نشوء النظرية القائلة بانفصال الأدب عن العالم الخارجي، ويؤكد في المقابل الصلة والوطيدة بينهما، معتمدا في ذلك على مبدإ محاكاة الطبيعة عند أرسطو، ووظيفة الشعر مع هوراتيوس القائمة على المتعة والفائدة.

  • §       القرن الأول في أوروبا المسيحية كان الشعر أداة الشاعر لتبليغ وتمجيد مذهب معين، وفي عصر النهضة سيطلب منه أن يكون جميلا جمالا يتحدد بحقيقته وإسهامه في الخير، ويستشهد تودوروف ببيت شعري للشاعر بوالو حين قال: "لاشيء أجمل من الحق، والحق وحده المعشوق"
  • العصور الحديثة أعادت النظر وزعزعت التصور السابق بناء على طريقتين مختلفتين:
  • الطريقة الأولى: تقوم على إعادة إضفاء القيمة على صورة قديمة، الفنان / المبدع الشبيه بالله المبدع، وهو الصراع الذي رفع شعار العبقرية الإنسانية، أو "ثق بعبقريتك"، التي تحاكي العبقرية المطلقة مع الإحتفاظ بمبدإ المحاكاة. ويسجل تودوروف في هذا السياق عودة فكرة العمل الأدبي عند الكاردينال نيكولا دي كيس، الذي كتب في منتصف القرن الخامس عشر " الإنسان إله آخر باعتباره مبدعا للفكر وللأعمال الفنية"، وأكد لاندينو أن "الله هو الشاعر المطلق والعالم هو قصيدته"، هذه الصورة فرضت نفسها بالتدريج في الخطاب و الفنون، وستعتمد لتمجيد المبدع البشري. وفي القرن الثامن عشر هيمن الخطاب النقدي الوصفي بفعل تأثير فلسفة ليبنتز الذي أدخل مفهومي الجوهر الفرد والعالم الممكن، أي أن الشاعر يمثل هاتين المقولتين، فمن جهة يبدع عالما يحاكي عالم الطبيعة، ومن جهة ثانية، يؤسس لعالم مستقل.
  • الطريقة الثانية: وهي طريقة مغايرة لسابقتها تقوم على أساس فصم الصلة بالرؤية الكلاسيكية، هدف الشعر من منظورها ليس محاكاة الطبيعة ولا الإفادة والإمتاع، بل إبداع الجمال، هذا التأويل فرض نفسه خلال القرن الثامن عشر، فلم يعد المبدع حرا يؤمن بعبقريته، بل أصبح التركيز على كمالية الأدبي وجماله.

   إن التحول الحاصل في النظرة للأدب خلال القرنين 17 و 18 قد شيد التأمل الجمالي والحكم القائم على الذوق، تأملا يستمد أوصافه من حب الله، هذا التصور مهدت له كتابات شافتسبري وميشيسون في انجلترا وسيفضي إلى ظهور مصطلح الإستطيقا سنة 1750، والجديد في هذه المقاربة هو الدفع إلى التخلي عن منظور المبدع، وتبني منظور المتلقي، والنتائج المترتبة عن ذلك:

  • أن المبدع الفنان شبيه بالصانع الحرفي، كلاهما يمارسان المهنة بموهبة متفاوتة، غير أنهما يختلفان من حيث منتوجهما، الأول أي المبدع ينتج أشياء للتأمل من أجل المتعة الجمالية والاستمتاع، أما الصانع الحرفي فينتج أشياء نفعية خاضعة لمنطق الاستعمال.
  • اجتماع وتكامل الفنون ضمن مقولة واحدة كالشعر والرسم والموسيقى وغيرها من الفنون، تنصهر في قالب جمالي يؤلف بينها، مما يدفع إلى تأسيس أماكن لاستهلاكها، بناء صالونات وأروقة ومتاحف، كالمتحف البريطاني 1733 ومتحف اللوفر 1791  ، وهي فضاءات مخصصة للتأمل وتتمين قيمتها الجمالية.

 

 جمالية عصر الأنوار


    بدأت الحاجة تلح على إدراك العمل في ذاته ولذاته،  والانتقال من منظور الإنتاج إلى منظور التلقي، فالتحولات التي شهدتها أوروبا في هذا العصر جعلت الجمهور هو المالك الحقيقي للأدب، والحاكم الصادق على نجاحه، تجاوزا للنظرة السائدة التي كانت تخضع الأدب للأقلية، لقد صار الأدب مشاعا بين الجميع انتصارا لروح استقلالية الفرد.

    إن مفكري القرن الثامن عشر لما ربطوا الفن بالجمال، لم يحاولوا قطع صلته بالعالم الخارجي، بل كانوا يحتدون التأويل الأفلاطوني، أي الجمال المادي الذي يحيل بدوره على جمال الروح والجمال المطلق، وقد مثل تودوروف لهذه النزعة الجديدة بأعمال شافنتسبري وهو أول من نقل المعجم الديني للتأمل والاكتفاء بالذات، إلى جعله وسيلة لإدراك تناغم العالم وبلوغ الحكمة، فهم بذلك لم يتخلوا عن قراءة الأعمال الأدبية كخطاب عن العالم، لكنهم كانوا يحاولون التمييز بين:

    طريق الشعراء وطريق الفلاسفة، طريقان يهدفان إلى غاية واحدة، وهي فهم أفضل للإنسان والعالم، ويقدم تودوروف مثالا عن التمييز الحاصل بين الشاعر والفيلسوف، بما توصل إليه جامبتستا فيكو الذي ميز بين اللغة العقلية واللغة الشعرية، قائلا: " من المستحيل على الإنسان أن يكون في ذات الآن شاعرا وميتافيزيقيا رفيعا، يعترض على ذلك العقل الشعري، بينما تفصل الميتافزيقا الفكر عن الحواس، فالملكة الشعرية على العكس تريد غمره فيها، وبينما تتسامى الميتافزيقا إلى الأفكار الكلية، تتمسك الملكة الشعرية بالظواهر الخاصة"، أما باومكارتن فقد تحدث في مؤلفيه " تأملات فلسفية عن الشعر"، و"علم الجمال"، عن موقع الفاعلية الفنية بالنسبة للفاعلية الفلسفية، ويخلص إلى كون الشعر إبداع لعالم ممكن ومرتقب بين عوالم أخرى، عالم قادر بدوره على إنتاج المعرفة المحسوسة. يستحضر تودوروف أعمال المفكر ليسينغ واحد من أبرز أعلام عصر الأنوار، خصص العديد من مؤلفاته لتحليل الفنون، وجل دراساته سارت في اتجاه التركيب والتوليف بين أطروحتين، أطروحة تهتم بكل ما من شأنه تشكيل نوعية العمل الفني وإنتاج الجمال بكونه تناغما لعناصره دون خضوعه لمؤشرات خارجية والأطروحة الثانية قادته للبحث عن المشترك بين العمل الفني ومختلف الممارسات الفكرية التي تهدف إلى بلوغ حقيقة العالم، وتقود الناس إلى الحكمة، يقول في معرض حديثه عن مشروعه التنويري: " أرغب في أن لا نطلق إسم الأعمال الفنية إلا على تلك التي يستطيع الفنان الظهور بوصفه فنانا، حيث يكون قصده الأول والأخير...".  إن ليسينغ وهو يسعى إلى تأسيس عالم الحكمة، يؤكد أن الحقيقة الشعرية ليست هي حقيقة العلماء المختصين بقدر اقترابها من الاحتمالية الأرسطية، وبالتالي فحدود البحث والانشغال بالجمال لا يجب أن يخضع لرؤية عميقة عن الأعمال الفنية.

    إن الطرح الذي تبناه ليسينغ دفع بكانط إلى استعادة مفاهيمه وتنقيحها في كتابه نقد ملكة الحكم،وفيه ربط كانط مفهوم الجمال بالأخلاق، ويرى أن هذا العنصر لا يمكن إثباته موضوعيا لأنه صادر عن حكم الذوق، ومن وجهة كونستان عدو النزعة التعليمية في الأدب، فهو لا يفصل الأدب عن العالم نظرا لارتباطه بمختلف مناحي الحياة دينية كانت أو أخلاقية أو سياسية يقول كونستان: " الأدب متصل بكل شيء، لا يمكن فصله عن السياسة والدين والأخلاق، إنه التعبير عن آراء الناس حول كل واحد من هذه الأشياء"، لقد ظل كونستان وفيا لأفكار رفيقته جرمين دي ستال، التي نشرت دراسة سنة 1800، بعنوان "الأدب في صلاته بالمؤسسات الاجتماعية"، خصصتها للحديث عن مفهوم الأدب بمعناه الواسع، يجمع بين أدب الخيال والكتابات العلمية أو الفلسفية، لكن ضمن جنس مشترك يسكنه مؤلفو العصور الغابرة والقراء الآتون.

 

 الرومانسية والحركات الطليعية

   تمكن علماء الجمال في عصر الأنوار من تحويل مركز ثقل المحاكاة مع النظرية الكلاسيكية إلى الجمال وترسيخهم لإستقلالية العمل الفني، لكن دون فصل الأعمال الفنية عن الواقع. لقد فرض الجمال الرومانسي نفسه في مطلع القرن التاسع عشر ولم يأت بقطيعة متميزة مع ما هو سائد في الرومانسية القديمة، وغن كان ثمة جديد فهو مجرد حكم قيمة يتم إصداره على مختلف صيغ المعرفة، فالمعرفة التي يتم بلوغها عبر الفن أرقى وأسمى بالنسبة للرومانسين الجدد من صيغ المعرفة العلمية.

   إن تطور نظرية الفن للفن في أوروبا استجاب للأفكار القادمة من ألمانيا دون الأخذ بها بالمعنى الحرفي، بودلير مثلا والذي كان يعد الناطق الرسمي باسمها خلال النصف الثاني في القرن التاسع عشر رفض أن يرى في الشعر سبيلا لمعرفة العالم، يقول: " الشعر ليس موضوعه الحقيقة، لا موضوع له إلا ذاته، صيغ البرهنة مغايرة ولها موضع آخر. لا صلة للحقيقة بالأغنيات"، لكنه ظل وفيا لأفكار كانط، حيث يؤكد في رسالة إلى توسنيل أن الخيال سلطان على الحق، إن عمل الفنان هو من نوع معرفة العالم، ومظاهر الطبيعة ومواقف الإنسان.

    ما يستفاد من طرح بودلير والتنظير الرومانسي الجديد أن الفن لا يفضي إلى معرفة العالم وحسب، بل يكشف في الآن نفسه عن وجود هذه الحقيقة في مختلف أشكال الخطاب التأويلي في التاريخ والعلوم الإنسانية والفلسفة، نجد أصداء لهذا الطرح عند الممثلين الآخرين لمذهب الفن للفن أمثال فلوبير الذي دافع بعناد عن استقلالية الأدب.

   لم تحصل القطيعة الجذرية مع النظرة الكلاسيكية إلا في مطلع القرن العشرين، نتيجة تأثير أطروحات نيتشه، وانطلاقا من هذه اللحظة لم يعد طموح الأدب للمعرفة غير مشروع فحسب، وإنما وجد خطاب الفلسفة والعلم نفسه موسوما بنفس الارتياب، هذا التصور الجديد سيظهر جليا لدى الحركات المسماة بالطليعية مع مطلع القرن العشرين، وتجلت مظاهره بداية الأمر في روسيا حوالي 1910، أي بداية التجريد في الرسم والابتكارات المستقبلية في الشعر، يمثل تودوروف لهذا التوجه الجديد بأعمال الرسام ميخائيل لاريونوف، ولوحات كاند ينسكي التجريدية، والتي جسدت فكرة التحرر الحقيقي للرسم، وفي مجال الشعر فقد عمل المستقبلون على تخليص اللغة من صلتها بالواقع، بخلق لغة ذهنية تهدف إلى تحرير الكلمة أمثال فيليمير خليبنكوف وبينيديكت ليفيشتس الذي نفى في مقال له بعنوان "تحرير الكلمة" ارتباط الشعر بالعالم قائلا: " شعرنا لا يجعل نفسه إطلاقا على أي صلة بالعالم"

   كان لمدابح الحرب الكونية الأولى وما واكبها من مخلفات سياسية تأثير مزدوج على الممارسة الفنية والخطابات النظرية التي تقوم بتحليلها، وهي المرحلة التي حتمت على الواقعية الاشتراكية وفن الشعب، والأدب الدعائي الحفاظ على صلة قوية بالواقع المحيط، وفي نهاية القرن العشرين، وبداية القرن الجديد ستميل المجتمعات الغربية إلى التعايش السلمي، تحت إيديولوجيات مختلفة، لكن يبقى مع ذلك أن ممثلي ثالوث الشكلانية والعدمية والأنانية يحتلون مواقع مهيمنة إيديولوجيا.

 الحاجة إلى الأدب

   أورد تودوروف في كتابه مجموعة من القصص التي تؤكد حاجتنا للأدب والأهمية البالغة التي يمنحها لمناحي الحياة، كجواب عن سؤال ماذا يستطيع الأدب؟

   يستحضر تودوروف قصة جون ستيورات مل الذي أصيب بانهيار عصبي في العشرين من عمره، وصل به إلى حد الاكتئاب، وجرب مختلف أنواع العلاج، طوال عامين، ليجد شفاء سقمه في ديوان شعري كان قد قرأه للشاعر وردسورت، وجد فيه التعبير الأمثل لإحساساته الخاصة.

   ويروي تودروف قصة شابة تدعى شارلوت دلبو التي تآمرت ضد المحتل، وسجنت بباريس داخل زنزانة إنفرادية، وكانت خاضعة لنظام الليل والضباب، مما يعني حرمانها من قراءة الكتب، لكن رفقيتها في الطابق السفلي كانت تمدها بالكتب، فاستطاعت بفعل القراءة أن تتعايش مع أبطال رواية "شارترية يارما" لسندال، وأتاحت لها القراءة سماع صوت ألسست كاره البشر في مسرحية موليير، والذي شرح لها مضمون الجحيم والتضامن.

  إن تودوروف فلم يعش شبيه هذه القصص لكنه لا يخفي شغفه بقراءة الشعر والروايات يقول: " لا أستطيع الاستغناء عن كلمات الشعراء وحكايات الروائيين. يتيحون لي أن أمنح شكلا للإحساسات التي أعانيها "

ماذا يستطيع الأدب إذن؟

  • الأدب مثل الفلسفة والعلوم الإنسانية من حيث هو فكر ومعرفة للعالم النفسي والاجتماعي الذي نسكنه.
  • الأدب يجعلنا نحيا تجارب فريدة، أما الفلسفة فتهتم بمعالجة المفاهيم.
  • الأدب يمنحنا ثراء العيش وتنوعه، والفلسفة تروم التجريد وصياغة قوانين عامة.
  • الروايات ليست معرفة جاهزة على حد تعبير تودوروف، بقدرما تشكل نوعا من الأخلاق، أفقها النهائي يتجاوز الحقيقة إلى الحب، وهو أسمى أشكال العلاقات الإنسانية.

 التواصل اللامحدود

   يعرض تودوروف مراسلة شهيرة جمعت بين جورج ساند وكوستاف فلوبير، للتأكيد على أن أفق الأعمال الأدبية عالم شاسع لا يمكن تحديد حدوده في عمل شعري أو سردي، ويتحدث عن الصلة القائمة بين الأدب والحقيقة والأخلاق، ويسجل الإختلاف الحاصل بين المتراسلين من حيث المنطلقات الفكرية، لكن تصورهما يفضي دوما إلى نتيجة حتمية مفادها أن الأدب يتيح إمكانية فهم أعمق للعالم والمحيط البشري، ويدعو إلى تبني هذا التصور قصد فك قيود الأدب وتوسيع دائرة الممارسة النقدية إلى ما هو أرحب وأعم، يعود تودوروف في نهاية كتبه الأدب في خطر إلى إشكالية الأدب والتعليم المدرسي، ليؤكد أن الغاية من تحليل الأعمال الأدبية لا ينبغي لها أن تعير اهتمامها لدراسة المفاهيم المطروحة في مختلف العلوم، وإنما يجب الدفع بهذه الغاية إلى بلوغ المعنى ومعرفة هوية الإنسان، مشيرا إلى العوائق والتحديات التي تواجه الأدب في العصر الراهن، بفعل خضوعه للنزعة الشكلانية والعدمية والأنانية، وابتعاده في المقابل من الجانب الإنساني.

خاتمة

 خصص تودوروف كتابه الأدب في خطر  للتداول في قضية تدريس الأدب في التعليم المدرسي، مشيرا إلى الوقع السلبي الذي خلفته المقاربة البنيوية للنصوص الأدبية، ويخلص إلى أن سؤال الأدب يجب أن يتبلور في القصدية والحاجة النهائية للأعمال الأدبية، ويقترح أن نجعل من معرفتنا للأدب سبيلا لعشقه وتذوق جماليته، لا دراسته لذاته.

   يستهل تودوروف حديثه عن ما وراء المدرسة الأدبية بإشكال التحول الذي طرأ على التعليم المدرسي للأدب؟ ويربط هذا التحول بالتغيير الحاصل على صعيد التعليم الجامعي تحت راية البنيوية.

    إن إطلاع  تودوروف على الحقل الأبي في الجامعات الفرنسية قاده إلى الاهتمام بالحاجة لتجاوز المقاربة الكلاسيكية والبحث عن سبل جديدة تقوم  على تحديد المفاهيم الموظفة في تحليل الخطاب الأدبي، غايته الأسمى أن يظل الهدف النهائي هو فهم معنى الأعمال الأدبية عن طريق رؤية تؤسس لمقاربة تجمع بين العناصر الداخلية والخارجية للخطاب الأدبي. والعناية بتدريس المقاربات والمفاهيم والتقنيات المستخدمة.

   إن إشكالية الأدب لدى تودوروف لا تختزل في قاعات الدراسة والدروس الجامعية، ونظرة الصحفيين للأدب، وهو التصور السائد والشائع في أوروبا خلال القرن العشرين، بل انتقد كذلك تيارات العدمية والنزعة الأنانية التي ظهرت في مطلع القرن الواحد والعشرين.

   وقد تحدث تودوروف عن المراحل والخلفيات التي كانت وراء نشوء النظرية الداعمة لانفصال الأدب عن العالم الخارجي، ويؤكد في المقابل الصلة والوطيدة بينهما، مشيرا إلى إن التحول الحاصل في النظرة للأدب خلال القرنين 17 و 18 قد شيد التأمل الجمالي والحكم القائم على الذوق.

وفي معرض حديثه عن الجمال في عصر الأنوار ذهب إلى كون مفكري القرن الثامن عشر لما ربطوا الفن بالجمال، ولم يحاولوا قطع صلته بالعالم الخارجي، بل كانوا يحتدون التأويل الأفلاطوني، أي الجمال المادي الذي يحيل بدوره على جمال الروح والجمال المطلق، ويقيم مقارنة بين طريق الشعراء وطريق الفلاسفة، فيخلص إلى كونهما طريقان يهدفان إلى غاية واحدة، تطمح إلى فهم أعمق للإنسان والعالم،

   يسجل تودوروف في كتابه دينامية الحركات  الرومانسي التي ظهرت في مطلع القرن التاسع عشر، غير أنها لم يأت بجديد يفيد قطع صلتها مع ما هو سائد في الرومانسية القديمة، وإن كان ثمة جديد فهو مجرد حكم قيمة يتم إصداره على مختلف صيغ المعرفة. وفي ذات السياق لا ينفي أن تطور نظرية الفن للفن في أوروبا استجاب للأفكار القادمة من ألمانيا لكن دون الأخذ بها بالمعنى الحرفي، فبودلير مثلا وهو الناطق الرسمي باسمها خلال النصف الثاني في القرن التاسع عشر رفض أن يرى في الشعر سبيلا لمعرفة العالم. أما القطيعة الجذرية مع النظرة التقليدية للأدب فلم ترى النور إلا في مطلع القرن العشرين، بفعل تنظيرات نيتشه. وكجواب عن سؤال ماذا يستطيع الأدب إذن؟ يقول تودوروف:

" الأدب يستطيع الكثير، يستطيع أن يمد لنا اليد حين نكون في أعماق الاكتئاب، ويقودنا نحو الكائنات البشرية الأخرى من حولنا، ويجعلنا أفضل فهما للعالم، ويعيننا على أن نحيا"، فهو بذلك تواصل لا محدود، وطريقنا نحو تلاقح الشعوب والحضارات في أرض تتنفس هواء الإنسانية، تعلي من قيمة الفرد،  وتلغي كل الفوارق الثقافية والدينية والأيديولوجية .

 





أضف تعليقك على المقال
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




أقرأ أيضا
الصناعات الثقافية بالمغرب وتنمية التفكير الإبداعي .2
جولة في القوانين التنظيمية للجماعات الترابية – الجولة الأولى-
صحافي من أبناء جهة بني ملال خنيفرة.. يوجه نداء القلب والضمير لمراسلي الجهة
المدينة الكهف
أمهات وآباء آخر زمن!
الصناعات الثقافية الصناعات الثقافية وتنمية التفكير الإبداعي والاقتصاد الوطني (مدخل عام)
ممرّض في حَيْصَ بَيْصَ والطّبيب الصّغير (3)
الجيلالي الاخضر يكتب؛ قديما قيل: ’الاغبياء يفسدون اللحظات الجميلة''
هل قتلتَ جمال خاشُقجي أم قتلكَ؟
من يحب الدولة أكثر؟