أضيف في 9 يناير 2018 الساعة 21:28


إقليم أزيلال عروس الأطلس البيضاء...بين المتعة والمعاناة ...


بقلم نورة الصديق



    بقلم نورة الصديق

  يكتسي إقليم أزيلال حلة جديدة، ورداء أبيضا ناصعا لم يعهده منذ عقود خلت، وفي عز الشتاء أنعم الله عليه تساقطات ثلجية مبشرة على غرار مدن وقرى بلدنا الحبيب، جعلته عروسا أطلسية في صورة جديدة توجته الثلوج ليكون عنوان للجمال و الرونق في طبيعة أخاذة ساحرة....أثقلت أشجاره الشاهقة، وغمرت الفجاج و الطرقات، وحاصرت القرى و المداشر، وافترشت أرضا بساطا داحية إلا من أثر أقدام عاشقيها المرسومة بصنع متقن...

        رذاذ ثلجي قوي يدغدغ أوراق الشجر ، ويسامر القمر، ويسحر المنظر، ويبهر البصر، ويفتن البشر، من كل صوب و حدب، صغارا و كبارا...يتهافتون  ، يرتعون، يلتقطون صورا للذكرى، لإرسالها لذويهم و التباهي بها في وسائل التواصل الاجتماعي..

       مجال أبيض فضله البعض للاستمتاع و المتعة بمناظره الرائعة، والترويح عن النفس، والفوز بهذه الأجواء الساحرة، و النسائم الباردة بلباس شتوي محمي في كل لأطرافه... والبعض الاخر يعاني الأمرين، هناك بالقرى من يصارع التراكمات الثلجية البيضاء، يدحيها من على السطوح، و من يبعدها من الطرقات و المسالك، ومن أمام عتبات منازل الجيران للإفراج عنهم، وهناك من يعاني العزلة في الروابي و التلال و الجبال ذات التضاريس الوعرة، وفي بيوت شبيهة بالكهوف، في ظروف قاسية قاتلة ينتظر الكاسحات...وهناك من يعاني النقص في المواد الغذائية، وعدم التبضع لهذه الظروف القاسية، و عدم توفير مؤونة الأسبوع أو الفصل...؟؟

         هناك من هو محاصر في المسالك بوسائل نقلهم ينتظرون الفرج، ومن يتابع أشغال الاليات و الكاسحات، أو يمد يد العون لفتح الطرقات أمام الساكنة نحو المنازل و الأحياء، ومن يقاوم العواصف الثلجية مقاومة الأجداد للمستعمر من أجل الاستقلال ،الكل يقاوم الخطر الابيض و الموت الأبيض المهدد لنسائهم و فلذات كبدهم دفاعا عن الحق في الحياة...

       فئات تستمتع بالبياض، على البساط الأبيض الجديد، تسلية  ولعبا لمجموعة أطفال و عائلات تتبادل الضربات فيما بينهم بالكرات الثلجية، وجدتها فرصة للصراخ و الضحك ، تردده الأصداء في الخوالي لا يشهد عليها سوى أشجار العرعر و البلوط و السنديان...  وفئات تتجرع قساوة الظروف في البحث  عن التدفئة و متطلباتها الضرورية و على علف المواشي...

      تستبشر شريحة أخرى خيرا بالتساقطات و الثلوج لري الأرض و إضفاء جمال باهر على المجال المعيش، وملء السدود وتدفق العيون، إثر جفاف و ندرة مياه وتحمل المشاق من أجل الماء لمسافات طويلة....وأخرى تعاني تحت سقف البيوت الطينية  التي تقطر زخات على أرضية المنازل لتشكل ضايات في أركان المنازل تتخطاها الأسر، و أخرى على الأفرشة تؤرق نومها....

       تصطدم شريحة بالصفعات القوية للعواصف الثلجية و الموجة العاتية ومنها خاصة نساء و رجال التعليم ، رمتهم الأقدار بين أحضان الجبال الشاهقة و القرى النائية المنعزلة لا يسمع فيها إلا الزمهرير و زقزقة الطيور... فهم بين مطرقة الثلوج الباردة وسندان العزلة وانخفاض درجة الحرارة والطرق الصعبة  التي اختفت معالمها للوصول إلى مقر عملهم أو سكناهم....ومعاناتها في أقسام بلا نوافذ أحيانا وبلا تدفئة ... إلى جانبها شريحة من الأبرياء يتحملون موجات البرد و الثلوج في طريقهم إلى المدارس بأحذية بلاستيكية ( صندلات بلاستيكية) بلا جوارب ومعاطف واقية من البرد ، وتتكهرب أصابعهم التي يتحسسونها بين ثنايا ملابسهم غير المتينة ،ويذرفون دموعا منهمرة من شدة البكاء لعدم تحملهم قساوة البرد وسط جبال تبدو كلوحات فنية خطها الرسام البديع باللون الأبيض... تتشكل على خدودهم و أيديهم شقوق و تجاعيد خطَتها نسائم البرد الشديد و الفقر وقلة الحاجة...

         و حوامل في النعوش تحت التساقطات الثلجية في الجبال، يهددها الموت، ومرضى تحت الغطاء يعانون أمراض الشتاء بلا دواء...ونساء ينهشهن الفقر و الحاجة، يوقدن النار لإعداد الوجبات الشتوية من الحريرة و القطاني و الكسكس... ومنهن من يجمعن الحطب لمواجهة الموجة المحتاجة للبرد للتدفئة، ومنهن من يدفأن تحت الأغطية بجانب المدفئات  الغازية أو الكهربائية يتابعن أحوال الطقس عن كثب...

      انها تساقطات ثلجية تعد نقمة للإقليم بقدر ما ماهي نعمة، تجمع بين متناقضات فرضت هذه الظروف الصعبة، معاناة و متعة، فرح و قرح، صلاح و طلاح، حصار و حرية، عزلة وتواصل، فتح و إغلاق.... يقتضي الصبر حتى تمر هذه الأيام القرة...

       هي ماسي لأبناء الإقليم ولمناطق يشوبها الإهمال في كل شيء، و لا تزال في مواسم ثلوج تحاصرهم لأسابيع، دون أن يجدوا ما يسدون به رمقهم ...ولمواجهة هذه الموجات الثلجية الصقيعية يجب تظافر الجهود و متابعة المعنيين والجهات المعنية  لحياة الساكنة بالإقليم ، وتوفير الأغطية المناسبة للأسر وتنفيذ حملات طبية، و إنقاذ حياتهم وتوزيع حطب التدفئة على ساكنة المناطق التي لا تزال تعرف انخفاضا في درجة الحرارة...

 

   





أضف تعليقك على المقال
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




أقرأ أيضا
’الأساتذة المتعاقدون القنبلة الموقوتة’
الجوهر قبل المظهر!
قمر الليلات
العسكرية المغربية هبة الصحراء
غابةُ الاغـتِصـــــــــــاب
لأعاقبنك بي
صراخ غير مسموع وضحية اسمها: المرأة
هَبَّةُ هَيْئَةِ الْإِدَارَةِ التَّرْبَوِيَّةِ، هَلْ ستُسْمِعُ مِنْ جَدِيدٍ؟!
يا عون التنفيذ يا محكور
ساعة + -